ابن كثير

411

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )

الوداع بعد أن صلّى الظهر إلى أن غربت الشمس ، وقال « لتأخذوا عني مناسككم » وقال في هذا الحديث « فمن أدرك عرفة قبل أن يطلع الفجر فقد أدرك » وهذا مذهب مالك وأبي حنيفة والشافعي ، رحمهم اللّه . وذهب الإمام أحمد إلى أن وقت الوقوف من أول يوم عرفة ، واحتجوا بحديث الشعبي عن عروة بن مضرس بن حارثة بن لام الطائي ، قال : أتيت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بالمزدلفة حين خرج إلى الصلاة فقلت : يا رسول اللّه ، إني جئت من جبل طيء ، أكللت راحلتي ، وأتعبت نفسي ، واللّه ما تركت من جبل إلا وقفت عليه ، فهل لي من حج ؟ فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « من شهد صلاتنا هذه ، فوقف معنا حتى ندفع وقد وقف بعرفة قبل ذلك ليلا أو نهارا ، فقد تم حجه وقضى تفثه » « 1 » رواه الإمام أحمد وأهل السنن ، وصححه الترمذي . ثم قيل : إنما سميت عرفات لما رواه عبد الرزاق : أخبرني ابن جريج ، قال : قال ابن المسيب : قال علي بن أبي طالب : بعث اللّه جبريل عليه السلام إلى إبراهيم صلّى اللّه عليه وسلّم فحج به ، حتى إذا أتى عرفة قال : عرفت ، وكان قد أتاها مرة قبل ذلك ، فلذلك سميت عرفة وقال ابن المبارك عن عبد الملك بن أبي سليمان ، عن عطاء ، قال : إنما سميت عرفة لأن جبريل كان يري إبراهيم المناسك فيقول : عرفت عرفت ، فسميت عرفات ، وروي نحوه عن ابن عباس وابن عمر وأبي مجلز ، فاللّه أعلم . وتسمى عرفات المشعر الحرام ، والمشعر الأقصى ، وإلال على وزن هلال ، ويقال للجبل في وسطها : جبل الرحمة ، قال أبو طالب في قصيدته المشهورة : [ الطويل ] وبالمشعر الأقصى إذا قصدوا له * إلال إلى تلك الشراج القوابل « 2 » وقال ابن أبي حاتم : حدثنا حماد بن الحسن بن عنبسة ، حدثنا أبو عامر عن زمعة هو ابن صالح ، عن سلمة بن وهرام ، عن عكرمة ، عن ابن عباس قال : كان أهل الجاهلية يقفون بعرفة حتى إذا كانت الشمس على رؤوس الجبال كأنها العمائم على رؤوس الرجال دفعوا ، فأخر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم الدفعة من عرفة حتى غربت الشمس ورواه ابن مردويه من حديث زمعة بن صالح وزاد : ثم وقف بالمزدلفة وصلّى الفجر بغلس ، حتى إذا أسفر كل شيء وكان في الوقت الآخر ، دفع ، وهذا حسن الإسناد . وقال ابن جريج عن محمد بن قيس عن المسور بن مخرمة ، قال : خطبنا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وهو

--> ( 1 ) رواه أحمد في المسند ( ج 4 ص 15 ) باختلاف في بعض الألفاظ . والتّفث : ما يفعله المحرم في الحج إذا حل ، كقصّ الشارب والأظفار ونتف الإبط وحلق العانة . ( 2 ) البيت من قصيدة طويلة لأبي طالب رواها ابن إسحاق في السيرة النبوية - انظر سيرة ابن هشام 1 / 272 - 280 .